وبالنسبة للبلدان النامية، فما يبدو أنه اهتمام استثنائي بخفض الانبعاثات يتطلب تحقيق توازن مع الأولويات المُلحّة الأخرى، والتي تتضمن الصحة والفقر والنمو الاقتصادي، فلا تزال هناك أعداد تبلغ مليارات من الناس تستخدم الخشب والنفايات في الطهي، مما يلوث الأماكن المغلقة ويؤدي إلى اعتلال الصحة. ويسعى كثير من هذه البلدان إلى زيادة استخدام الهيدروكربونات باعتبارها عنصرًا أساسيًّا في رفع مستوى المعيشة. وكما أشار وزير النفط الهندي الأسبق دارمندرا برادان، فهناك عدة مسارات لتحول نظام الطاقة. فالهند، وفي الوقت الذي تُبدي فيه التزامًا كبيرًا تجاه مصادر الطاقة المتجددة، تعمل أيضًا على إنشاء نظام لتوزيع الغاز الطبيعي بتكلفة تبلغ 60 مليار دولار. وتسعى البلدان النامية إلى بدء استخدام الغاز الطبيعي وتوسيع نطاقه للحد من التلوث داخل الأماكن المغلقة، وتعزيز التنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، والحد، في كثير من الحالات، من الانبعاثات والتلوث الناتجَيْن عن حرق الفحم والكتلة الإحيائية.
وربما تميل البلدان ذات الاقتصادات المتقدمة إلى رأب هذه الفجوة، غير أن الواقع قد رُصد بوضوح تام في سبتمبر 2022، وذلك عندما صوّت البرلمان الأوروبي -في مجاهرة غير مألوفة بفرض الولاية خارج الحدود الوطنية- لإدانة مقترح بإنشاء خط أنابيب نفطي يمتد من أوغندا مرورًا بتنزانيا وصولًا إلى المحيط الهندي. وقد ندد البرلمان بالمشروع بحجة أن خط الأنابيب سيكون له أثر ضار على المناخ والبيئة و "حقوق الإنسان". وللبرلمان الأوروبي مقر في فرنسا وفي بلجيكا، حيث يبلغ نصيب الفرد من الدخل حوالي 20 ضعف نصيب الفرد من الدخل في أوغندا. وكما كان متوقعًا، فقد أثارت الإدانة رد فعل غاضب في أوغندا، حيث يُنظر إلى خط الأنابيب باعتباره ذا أهمية بالغة للتنمية الاقتصادية. وندد نائب رئيس البرلمان بالقرار الأوروبي واصفًا إياه بأنه "أعلى مستويات الاستعمار الجديد والإمبريالية المعادية لسيادة أوغندا وتنزانيا". وأضاف وزير الطاقة قائلًا: "كانت إفريقيا أرضًا خضراء، بَيْدَ أن الناس يقطعون الأشجار لأنهم فقراء". وقد نزل أعضاء اتحاد الطلاب الوطني في أوغندا إلى الشوارع للتظاهر ضد البرلمان الأوروبي، حيث قال أحد قادة الطلاب إن "الأوروبيين لا يتمتعون بسموٍّ أخلاقي". وبصرف النظر عن القضايا المحددة، فمن الصعب إنكار وجود تباين كبير في وجهات النظر.
ويظهر الانقسام بشكل واضح تماما عندما يتعلق الأمر بالتمويل. فقد أوقفت البنوك الغربية والمؤسسات المالية متعددة الأطراف تمويل إنشاء خطوط الأنابيب والموانئ والبنى التحتية الأخرى ذات الصلة بتطوير الموارد الهيدروكربونية. ولخص أحد وزراء الطاقة في إفريقيا تأثير عدم منح التمويل بأنه يشبه "إزاحة السلّم ومطالبتنا بالقفز أو الطيران". وستكون هناك حاجة مُلحّة بشكل متزايد إلى تحقيق توازن بين وجهات نظر العالم النامي حيث يعيش 80% من سكان العالم، وبين وجهات نظر أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية.
إيقاف التمويل
يتمثل التحدي الرابع في ضمان توفير سلاسل إمداد جديدة للوصول بالانبعاثات إلى الصفر الصافي. ومن شأن تمرير قانون خفض التضخم في الولايات المتحدة، بما يتضمنه من دعم وحوافز ضخمة للاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى خطة حزمة تدابير الطاقة الأوروبية "REPowerEU" في أوروبا، والمبادرات المماثلة في أماكن أخرى- زيادة الطلب على المعادن التي تشكل العناصر الأساسية للطاقة المتجددة، والتي تتطلب توربينات رياح ومركبات كهربائية وألواحا شمسية، وغيرها. وقد أصدرت مجموعة من المنظمات، تتضمن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والوكالة الدولية للطاقة وكذلك حكومة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، دراسات بشأن الحاجة المُلحّة إلى توفير سلاسل الإمداد هذه. وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن الاقتصاد العالمي سينتقل من "نظام طاقة كثيف الاستهلاك للوقود إلى نظام طاقة كثيف الاستهلاك للمعادن"، الأمر الذي من شأنه "زيادة الطلب على المعادن الضرورية". وقد أوجزتُ ذلك في كتاب الخارطة الجديدة بأنه انتقال من "كبرى شركات النفط" إلى "كبرى شركات التعدين".
وقد سعت "ستاندرد آند بورز غلوبال"، وهي الشركة المتخصصة في الشؤون المالية والتحليل التي أعمل نائبًا لرئيس مجلس إدارتها، إلى الاستفادة من تلك الدراسات وإجراء قياس كمّي للمستوى الذي سيكون عليه "الطلب الزائد" على المعادن. وركزت الدراسة التي أجرتها "ستاندرد آند بورز غلوبال" تحت عنوان "مستقبل النحاس: هل ستعوّق فجوةُ العرض التي تلوح في الأفق التحولَ في نظام الطاقة؟" (2022) على هذا المعدن، إذ إن الهدف الرئيسي للتحول في نظام الطاقة هو التحول نحو استخدام الطاقة الكهربائية، والنحاس هو "المعدن اللازم للتحول نحو استخدام الطاقة الكهربائية". وقد تناولت الدراسة أنواع الأهداف لعام 2050 التي طرحتها الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وأجرت تقييمًا لمتطلبات تحقيق هذه الأهداف من أجل تطبيقات محددة، منها على سبيل المثال: المكونات المختلفة اللازمة لمنظومة الرياح البحرية أو المركبات الكهربائية. فالسيارة الكهربائية -مثلًا- تحتاج نحاسًا أكثر بمرتين ونصف على الأقل من المركبة ذات محرك الاحتراق الداخلي التقليدي. وخَلَص هذا التحليل إلى أن الطلب على النحاس لا بد أن يتضاعف بحلول منتصف الثلاثينيات من هذا القرن لتحقيق أهداف عام 2050.
وتكمن نقطة الاختناق في جانب العرض. فمع المعدل الحالي لنمو العرض، الذي يشمل المناجم الجديدة وتوسيع المناجم وزيادة الكفاءة وإعادة التدوير، وكذلك الإحلال، ستكون كمية النحاس المتوفرة أقل بكثير من متطلبات الإمداد به. فعلى سبيل المثال، تشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن المنجم الجديد يتطلب 16 عامًا بدءًا من اكتشافه وصولًا إلى باكورة إنتاجه. وتقول بعض شركات التعدين إن الأمر يتطلب أكثر من 20 عامًا. ويعتبر إصدار التراخيص والقضايا البيئية من القيود الرئيسية في شتى أنحاء العالم. وكذلك فإن إنتاج النحاس متمركز بشكل كبير مقارنة بالنفط مثلًا، فثلاثة بلدان قد أنتجت 40% من النفط العالمي خلال عام 2021، وهي الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وروسيا، وبلدان اثنان فقط أنتجا 38% من النحاس، وهما شيلي وبيرو.
النحاس معدن بالغ الأهمية
انخفضت أسعار النحاس بنحو 20% من أعلى مستوى لها هذا العام. وهو ما يعكس دور المعدن الذي كثيرًا ما يوصف بأنه "Dr. Copper"، إذ إن سعره ينبئ بحالات من تباطؤ النشاط والركود الاقتصادي. وبالفعل فقد تنبأ صندوق النقد الدولي بحدوث تباطؤ حاد في النمو العالمي خلال عام 2022، وتوقع أيضًا حدوث تباطؤ خلال عام 2023 وركودًا محتملًا، مثلما تنبأ العديد من الجهات الأخرى المتخصصة في وضع التنبؤات. غير أن أسعار النحاس سترتفع مرة أخرى عقب الركود مع زيادة الطلب الناتج عن التحول في نظام الطاقة. وحسب النمط التاريخي، فمن المرجح أن زيادة الطلب والأسعار ستثير توترات جديدة بين البلدان التي تمتلك الموارد وبين شركات التعدين، الأمر الذي سيؤثر بدوره على معدل الاستثمار. وعلاوة على ذلك، مع تزايد حدة السباق للوصول بالانبعاثات إلى الصفر الصافي، فثمة خطر بأن تشتعل المنافسة على المعادن فيما أصبح يُعرف بأنه "تنافس القوى العظمى" بين الصين والولايات المتحدة.
وتهدف الدراسة المعنية بالنحاس التي أجرتها "ستاندرد آند بورز غلوبال" إلى الإسهام في تقديم تحليل أكثر تعمُّقًا للتحديات المادية أمام تحول نظام الطاقة. فصناعة طاقة الرياح تتمتع بما أسماه الداعم الإنجليزي للطواحين الهوائية في القرن الثاني عشر "المنفعة المجانية من الهواء". والطاقة الشمسية تستفيد مجانًا من الشمس، غير أن المدخلات المادية التي تدخل في استغلال طاقة الرياح والشمس لا تخلو من التكلفة. ومن المحتمل أن تواجه الجهود المبذولة لتحقيق جزء كبير من أهداف عام 2050 في عام 2030 قيودًا مادية كبيرة.
وسيكون لكل تحدٍّ من هذه التحديات الأربعة، أمن الطاقة والتأثيرات الاقتصادية الكلية والفجوة بين الشمال والجنوب والمعادن، تأثيرات كبيرة على كيفية تطور عملية تحول نظام الطاقة، كما أن التعامل مع أي منها لن يكون بالأمر اليسير، وستتفاعل مع بعضها البعض، مما سيفاقم من تأثيراتها، غير أن إدراكها سيسهم في إيجاد فهم أعمق للقضايا والمتطلبات خلال السعي لتحقيق التحول في نظام الطاقة.