وقد حددنا أربعة شروط ضرورية لتشجيع هذا النبات الحساس على النمو. أولا، ينبغي ألا تكون مؤسسات الأعمال القائمة قوية للغاية، بل يجب أن تكون محدودة القوة، حتى تحتاج من الدولة القيام بدور جهة الإنفاذ المحايدة.
والشرط الثاني يتمثل في نظام فعال للرعاية الاجتماعية. "فالمنافسة تؤدي إلى حالات فشل. وهذه الحالات ضرورية لعملية الهدم الخلاق، ولكنها مؤلمة للغاية للأشخاص المتضررين. فكلما زادت تكلفة التكيف المفروضة عليهم، أو زاد عدد المعسرين، زادت قوة المطالبات السياسية بالتدخل"، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون عُرضة للتلاعب بسهولة. وتتمثل إحدى طرق منع تسييس عملية الإنقاذ في وجود شبكة أمان صريحة تقدم الدعم الأساسي مباشرة للمتضررين من الأفراد. فالشركات هي التي ينبغي أن تفشل، أما الأفراد فلا ينبغي أن يفشلوا.
أما الشرط الثالث فيتمثل في تخفيض قوة الشركات القائمة بإجبارها على التنافس مع شركات من بلد آخر لا يحمي غير الأكفاء. و"الطريقة الأكثر فعالية لتخفيض قوة الشركات القائمة في التأثير على التشريعات هي إبقاء الأسواق المحلية مفتوحة أمام المنافسة الدولية". ولم يكن من قبيل المصادفة أن الصناعة المصرفية هي واحدة من أكثر الصناعات المؤثرة سياسيا، لأنها لا تواجه في الواقع منافسة دولية عندما يكون نشاطها مركزا في معظمه على السوق المحلية.
وفي النهاية، نحن نؤمن بالحاجة إلى إقناع الجمهور بضرورة وجود أسواق حرة وتنافسية. "وإذا رأي الجمهور العام منافع الأسواق الحرة، وأدرك هشاشتها السياسية، ستزداد صعوبة قيام مجموعات المصالح الضيقة بإعطاء دفعة لجدول أعمالها الخاص".
لماذا لا يوجد اهتمام يُذكر بعملية إنقاذ بنك سيليكون فالي اليوم؟ هل الأوضاع في الولايات المتحدة اليوم أقل ملاءمة للأسواق التنافسية مما كانت عليه عند قيامنا بتأليف الكتاب؟ بطريقة أو بأخرى، الإجابة المقلقة هي "نعم".
ولننظر في الشروط التي حددناها بترتيب عكسي. فبعد عمليات الإنقاذ المباشرة الضخمة للبنوك أثناء الأزمة المالية العالمية التي بدأت في عام 2008، وعمليات الإنقاذ غير المباشرة أثناء الجائحة (عن طريق التحويلات الموجهة إلى الأسر والشركات التي سددت بعد ذلك قروضها المصرفية)، تبدو عمليات الإنقاذ الدورية للبنوك الآن نتيجة حتمية بل اكتسبت احتراما على المستوى الفكري.
وعلاوة على ذلك، فإن المنافسة بين النظم، والتي من شأنها تسليط الضوء على أوجه عدم الكفاءة المرتبطة بالمحسوبية، تتعرض للتهديد بشكل متزايد من جانب الحمائية القديمة، والتي غالبا ما تختبئ وراء بواعث القلق الجغرافية-السياسية. وعندما ينصب الاهتمام على التجارة فقط مع البلدان الأخرى التي لديها قيم مماثلة (ولديها أيضا، على سبيل المصادفة، مصالح مماثلة)، سيعاني الجميع من نفس أوجه عدم الكفاءة، وستقل ضغوط المنافسة من أجل التغيير. وفي عام 2008، قامت ألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة بإنقاذ البنوك في تعاقب سريع.
ويمكن القول بأن أحد أسباب إحجام البلدان الصناعية عن رؤية الخسائر المرتبطة بالنواحي السلبية في السوق هو أنها تخشى غضب الناخبين الذين يعتقدون أن مكاسب الرأسمالية لم يتم توزيعها بشكل عادل* وأن المنافسة، خاصة من خارج الحدود، ليست عادلة. ومع ذلك، فإن هذا الخوف يرسخ بعد ذلك الممارسات التي تفتقر إلى الكفاءة ويحافظ على الشركات غير الكفؤة – والواقع أنه يزيد من سوء سلوكها بإلغاء عقوبات السوق الحرة على الأخطاء.
وأخيرا، رغم أن بنك سيليكون فالي كان في المرتبة 16 بين أكبر البنوك في الولايات المتحدة، فقد كان من بين عملائه عملاء أقوياء للغاية ولهم روابط سياسية من أصحاب رؤوس الأموال المخاطرة والشركات. ولن تكترث بذلك سلطات مكافحة الاحتكار التي تستخدم المقاييس المعتادة للهيمنة على الأسواق. أما أولئك الذين يعرفون النفوذ السياسي فيشعرون بالقلق. ونحن بحاجة إلى وضع مقاييس أفضل بناء على النفوذ السياسي للحد من القوة السياسية للشركات.
*بالإنجليزية