ندوب طويلة الأمد
الأمر الثاني هو أن الاقتصاديين لم يتوقعوا حجم آثار الندوب الناجمة عن فقدان الوظائف في الصناعة التحويلية. والهوس بقطاع الصناعة التحويلية الذي يبديه من يتبنون مبدأ القومية الاقتصادية لم يأت اعتباطا؛ فلطالما قدم هذا القطاع علاوة أجور مقارنة بما كان يمكن للعاملين الحصول عليه في مجالات عمل أخرى، ولا سيما لغير الحاصلين على درجة جامعية. وحينما أغلقت المصانع أبوابها أو قامت بتسريح عدد كبير من العمالة، كما حدث في كثير من البلدان مرتفعة الدخل إبَّان الصدمة التجارية الصينية، فقد العاملون في مجال الصناعة علاوة الأجور. ولم يتمكن معظم هؤلاء العاملين، الذين لم يجدوا بديلا سوى وظائف بأجور أقل في قطاع الخدمات أو الخروج من قوة العمل، من تعويض دخلهم الذي فقدوه على الإطلاق.
ورغم أن الاقتصاديين وثَّقوا لأول مرة آثار الندوب الناجمة عن فقدان الوظائف في أوائل التسعينات من القرن العشرين، فإنهم لم يدركوا إلا في مرحلة لاحقة أنه حينما يتركز فقدان الوظائف في مناطق معينة، تتجمع الندوب المنفردة مكونة صدمات دخل سلبية كبيرة على المستوى المحلي. فبمجرد تسريحهم، انخفض إنفاق عمال المصانع السابقين على السلع غير التجارية والخدمات وأيضا على السكن، وتراجعت نسبة مساهمتهم في الضرائب لدعم الخدمات العامة المحلية - وهو ما أدى إلى انخفاض مستويات الدخل في المناطق التي شهدت تراجعا في الصناعة التحويلية.
ومجددا، بما أن النماذج الاقتصادية كانت معدلة لمراعاة التصحيح على المستوى الوطني لملاءمة أوضاع التجارة الدولية، فقد توقعت أن العمال المُسرَّحين في القطاعات المنافسة للواردات (الصناعة التحويلية) سيتحولون ببساطة للعمل في قطاعات كانت تشهد توسع الصادرات (الخدمات كثيفة المعرفة). وقد حدثت إزاحة الواردات واستيعاب الصادرات بالفعل، ولكن بين مجموعات من الأشخاص غير مترابطة إلى حد كبير.
عدم القدرة على التنقل
أما الأمر الثالث فهو أن الاقتصاديين أغفلوا عدم قدرة العاملين الأقل تعليما والأكبر سنا على التنقل بين المناطق الجغرافية لمواجهة الأوضاع الاقتصادية المتغيرة. وتفترض النماذج الاقتصادية القياسية شرطا لتحقيق التوازن المكاني؛ إذا ارتفعت مستويات الدخل الحقيقي أو انخفضت في منطقة ما، فإن هجرة العمالة بين المناطق المختلفة سوف تمحو الفروق المكانية في الأجور بسلاسة. ونظريا، يؤدي تنقل العمالة إلى نقل الصدمات الاقتصادية المحلية إلى مناطق أخرى، وهو ما يبدد تأثيراتها ويضمن أن الزيادات الكبيرة في العطالة على مستوى المناطق المختلفة أمر مؤقت. أما في الواقع العملي، فإن الهجرة بين المناطق المختلفة تعمل ببطء؛ وتحقيق التوازن المكاني مع الصدمات قد يستغرق عقودا من الزمن.
ولطالما كان بطء الهجرة بين المناطق المختلفة أحد أصعب الدروس التي كان على الاقتصاديين استيعابها. ومن المؤكد أنه في اقتصادات كبيرة على غرار الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حيث يتم توفير ملايين الوظائف وإلغاء ملايين الوظائف الأخرى سنويا، يُتَوَقَّع تعويض فقدان الوظائف في مجموعة فرعية من المناطق الصناعية بسهولة. وهذا منطق يجانبه الصواب - أولا، لأنه يتوقع تواتر الانتقالات الوظيفية بين العمال الأصغر سنا إلى العمال الأكبر سنا، الذين يكونون أقل نشاطا بقدر ملحوظ، وثانيا، لأنه يفترض أن الترقي في السلم الوظيفي المتاح للعمال الحاصلين على مستوى أعلى من التعليم متاح بالقدر نفسه للعمال الأقل تعليما. ومما لا شك فيه أن أسواق العمل الحديثة تتسم بالديناميكية. إلا أن تلك الديناميكية لا تزال أقل وضوحا بين العمال الأكثر عرضة لمخاطر انكماش الصناعات التحويلية.
التفاوتات بين المناطق
كان من المؤلم للبلدان أن تدرك الجانب المظلم للعولمة، الذي ينطوي على اتساع أوجه التفاوت الاقتصادي بين المناطق المختلفة وقابلية البلدات الصناعية السابقة للوقوع في براثن معدلات العطالة المرتفعة وانخفاض أعداد الوظائف ذات الأجور الجيدة للعمال الأقل تعليما. وفي اللحظة التي كانت فيها العولمة تتسبب في فقدان الوظائف في الصناعة التحويلية، كانت لدى البلدان خيارات قابلة للتطبيق على مستوى السياسات لمواجهة هذا الاضطراب، من بينها تقديم مساعدات سخية وعاجلة للعمال المُسرَّحين وفرض تعريفات جمركية وقائية كان من شأنها توزيع الزيادات الكبيرة في الواردات على فترات زمنية أطول.
وبعد عقدين من الزمن، لم تعد هذه السياسات متاحة ولا ملائمة. وكان على البلدان أن تقرر ما إذا كانت ستعالج التعثر الاقتصادي على مستوى المناطق المختلفة الذي سببته العولمة، وكيف ستفعل ذلك، بعد فترة طويلة من حدوث هذا التعثر. ويتطلب اختيار السياسات الصحيحة فهما واضحا للمشكلات الاقتصادية التي تحاول البلدان حلها.
ويتمثل أحد الخيارات لمساعدة المناطق التي تخلفت عن الركب ببساطة في ترك قوى السوق تؤدي عملها. فهجرة العمالة إلى الخارج وتقاعد العمال المُسرَّحين يمكن في نهاية المطاف أن يساعدا المناطق المهملة على أن تصبح أصغر حجما وأكثر كفاءة. وستغلق الشركات أبوابها ومناطق وسط المدن مبانيها، وسينطلق الشباب المنضمون إلى قوة العمل في مسيرتهم المهنية في أماكن أخرى. وإذا كنا نعتقد أنه لا توجد تشوهات اقتصادية تعرقل تصحيح أوضاع سوق العمل لمواجهة الصدمات المعاكسة، أو إذا اعتقدنا أنه ليس بمقدور الحكومات تنفيذ علاجات ناجعة لهذه التشوهات، فقد تكون سياسة عدم التدخل منطقية. ومع هذا، من المهم الاعتراف بأنه رغم أن قوى السوق قد تحد من الفروق المكانية في الرفاهية الاقتصادية، من المحتمل أن تفعل ذلك ببطء شديد.
تجربة بيتسبرغ
لنأخذ على سبيل المثال تجربة بيتسبرغ، التي يستشهد بها كثيرون كمثال ناجح على تصحيح الأوضاع للتكيف مع انكماش الصناعات التحويلية. فعلى مدار النصف الأول من القرن العشرين، كانت هذه المدينة مركزا عالميا لتصنيع الصلب. وبعد عام 1970، ساهمت المنافسة من الواردات، والتغيرات التكنولوجية، وقوى أخرى في حدوث تراجع صناعي امتد فترة طويلة، سادت خلالها حالة من العطالة والصعوبات الاقتصادية. وعلى الرغم من أن بيتسبرغ أصبحت اليوم موطن الرعاية الصحية، وعلوم الحياة، وعلم الروبوتات، استغرق هذا التحول ما يربو على جيل كامل. وأثناء تلك الفترة، كانت الفرص الاقتصادية المتاحة للسكان المحليين محدودة بسبب التعثر الاقتصادي. ومقابل كل مدينة حالها كحال بيتسبرغ، يوجد العديد من المدن الصناعية السابقة الأخرى التي لم تجد طريقا للعودة إلى تحقيق الرخاء. وكان تصحيح الأوضاع على المدى الطويل يعني تراجع مستويات الدخل وأسعار الإسكان والمرافق في المناطق الحضرية.
ويتمثل خيار ثانٍ لمساعدة المناطق التي تخلفت عن الركب في استهداف الأفراد المتضررين من خلال برامج المستحقات المقيسة بالقدرة المالية. فإعانات البطالة، ودعم الدخل المقدم للأسر المعيشية منخفضة الدخل، ودعم الإسكان والطاقة، والرعاية الصحية المدعومة كلها طرق شائعة لمساعدة الناس في الأوقات الصعبة. وإذا لم تكن لدينا ثقة في أن أسواق التأمين والائتمان يمكنها حماية الناس من الصدمات المعاكسة، فقد يكون من المنطقي وجود برامج موسعة للتأمين الاجتماعي.
غير أن هذه البرامج تجعل المساعدات مشروطة بمستوى رفاهية الأفراد أو الأسر المعيشية - وليس بحالة سوق العمل المحلية. وقد يساعد التأمين الاجتماعي الناس على تجنب التراجعات الحادة في مستويات الاستهلاك أثناء فترات التعرض لمصاعب، ولكنه لا يعالج أسباب التعثر الاقتصادي على مستوى المناطق المختلفة. وقد تجعل هذه البرامج عملية التصحيح الاقتصادي أقل ألما، ولكنها من غير المرجح أن تزيد وتيرة هذه العملية.
التعريفات الجمركية على التجارة
يتمثل خيار ثالث لمساعدة المناطق التي تخلفت عن الركب في استهداف الصناعات التي كان تراجعها سببا في التعثر الاقتصادي. على سبيل المثال، كان للتعريفات الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة مؤخرا على الواردات تبرير جزئي تمثل في الادعاء أنها ستساعد على إعادة الوظائف في الصناعة التحويلية إلى المجتمعات المحلية التي أُفرغت منها بسبب العولمة. وظاهريا، قد يبدو التصدي للعواقب السلبية للتجارة على سوق العمل بمنع الواردات أمرا منطقيا. ولكن أصل التعثر على مستوى المناطق المختلفة ليس المنافسة من الواردات في حد ذاتها وإنما أثر الندوب بسبب فقدان الوظائف وعجز تلك المناطق عن التكيف مع التراجع في صناعة كبرى.
وفرض تعريفات جمركية على التجارة لن يحول دون فقدان الوظائف بسبب التغيرات التكنولوجية أو الذكاء الاصطناعي أو الصدمات الأخرى التي قد تسبب اضطرابات في المستقبل. فحماية التجارة تستهدف التعثر الاقتصادي بطريقة غير مباشرة، وبالتالي بشكل غير فعال. وليس من المستغرب ألا تحقق التعريفات الجمركية الأمريكية الكثير من حيث استعادة العمالة في الصناعة التحويلية أو نمو مستويات الدخل في مناطق تضررت جراء الصدمة التجارية الصينية.
أما الخيار الأخير فهو استهداف المناطق التي تخلفت عن الركب من خلال سياسات تعزز التنمية الاقتصادية المحلية. فالسياسات الموضعية تدعم الاستثمار في رأس المال البشري والمادي بغرض تحسين مستوى إنتاجية العمالة، ومستويات الدخل، والهياكل الاقتصادية في المناطق المتعثرة. ونظريا، تكون هذه السياسات مبررة إذا كان العائد الاجتماعي على الاستثمار مرتفعا نسبيا في المجتمعات المحلية التي تعاني من ارتفاع معدلات العطالة وانخفاض مستويات الأجور. أما في الواقع العملي، لطالما كانت السياسات الموضعية مسألة خلافية بين الاقتصاديين نظرا للمخاوف بشأن حصول أصحاب المصالح الخاصة على الريع والتحديات المعلوماتية في تصميم البرنامج.
سياسة ناجحة
يوضح البحث التجريبي في الآونة الأخيرة مواضع نجاح السياسات الموضعية ومواضع إخفاقها. وتشمل السياسات الأقل فعالية - وهي أيضا من بين أوضح السياسات - استخدام الدعم الضريبي للتنافس على جذب استثمارات كبيرة من الشركات الكبرى. وعادة ما يؤدي التنافس في تقديم الدعم إلى تحويل معظم الفائض الاقتصادي من الاستثمارات الجديدة إلى المستثمرين أنفسهم، مما يترك المناطق "الفائزة" تواجه لعنة الفائز المتمثلة في ارتفاع النفقات الضريبية لكل وظيفة يتم توفيرها.
أما السياسات الموضعية الأكثر فعالية فتجعل الدعم مشروطا بحدوث تعثر محلي، ومراقبة الامتثال لأهداف البرامج، وتصميم البرامج لتناسب سياقات محددة عن طريق التجريب المستمر. وتتضمن الأمثلة على هذا الأمر منح حوافز ضريبية للاستثمار في المجتمعات المحلية منخفضة الدخل (مثل برامج مناطق المشاريع التي تتسم بالصرامة في اختيار الشركات المشاركة وتدقيق حساباتها) ومبادرات تدريب العمال القطاعية (برامج سوق العمل النشطة، التي طُبقت في كثير من البلدان مرتفعة ومتوسطة الدخل).
ومن بين هذه الخيارات الأربعة، فإن خيار السياسات الموضعية هو الوحيد الذي يستهدف مباشرة تحقيق نتائج تخفف التعثر على مستوى المناطق المختلفة؛ وذلك بنقل البالغين العاطلين عن العمل إلى مرحلة التوظيف، وجلب وظائف ذات أجور أفضل إلى الأماكن التي تعاني من ندرتها، وجعل المناطق المستهدفة أكثر جذبا للاستثمارات في المستقبل.
لقد ساءت نظرة الرأي العام للعولمة في البلدان مرتفعة الدخل لأن كثيرا من العمال متوسطي ومنخفضي الأجور أصبحوا في نهاية المطاف هم الطرف الخاسر في الانفتاح الاقتصادي. فالمستقبل المزدهر الذي وُعدوا به لم يتحقق. ولاستعادة الثقة في التكامل الاقتصادي العالمي، يجب أن نصحح أخطاء الماضي وأن نوفر بديلا موثوقا للقومية الاقتصادية.