فائض الطاقة الإنتاجية
ويتمثل التحدي الثاني في تغير هيكل الإنتاج العالمي وضخامة فائض الطاقة الإنتاجية. ففي عام 2023، أنتجت الصين 1,019 مليون طن متري من الصلب الخام. ومن المتوقع أن يصل فائض الصلب العالمي إلى 644 مليون طن متري. وقريبا سيبلغ إنتاج أنظمة الطاقة الشمسية الكهروضوئية ضِعْف حجم الطلب العالمي عليها.
وتعمل هذه الديناميات على إعادة تشكيل التجارة من خلال الرسوم الجمركية والدعم والسياسات الصناعية. وتسعى الاستجابة الهندية إلى حماية الصناعة المحلية من المنافسة غير العادلة مع الحفاظ على اندماجها في الأسواق العالمية. وسيكون اتباع منهج مقنن في هذا الصدد بمثابة درع واقٍ من القوى الحمائية.
والتحدي الثالث هو الانقسام الديمغرافي. فمتوسط العمر في إفريقيا أقل من 20 عاما، وفي الهند أقل من 30 عاما. وهناك مفارقة حادة بين فوائض العمالة في هذه المناطق وتقلص أعداد السكان في أجزاء من شرق آسيا وأوروبا. ويمكن لمكاسب الإنتاجية أن تعوض احتياجات سوق العمل، لكن من الضروري إجراء مراجعة عميقة للمواقف التقليدية تجاه الهجرة المنظمة.
وقد سعت اللجنة العالمية المعنية بالهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى إجراء نقاش عقلاني حول الهجرة الحتمية من الجنوب العالمي إلى الشمال العالمي. وتتطلب إدارة حركة الهجرة هذه حكمة ورؤية سياسيتين، ولكن المؤسف أن التحيز قد حل محلهما. ولضمان الاستقرار في المستقبل، يتعين عدم تصوير هذه التدفقات بوصفها أزمة، بل استجابة منظمة وضرورية لاختلالات سوق العمل العالمية. غير أن الملامح الديمغرافية الشابة لا تشكل مصدر قوة إلا إذا واكبتها المهارات وفرص العمل.
أما التحدي الرابع، فهو التقدم التكنولوجي وأوجه عدم المساواة الرقمية. فمن بين الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاما في الهند، لم يحصل سوى 1% فقط على تدريب رسمي على المهارات، في الوقت الذي ستحتاج فيه الشركات إلى 1,25 مليون متخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2027. ويجب على الأسواق الصاعدة التغلب على هذا التفاوت في العصر الرقمي، وتوجيه الذكاء الاصطناعي نحو تعزيز الإنتاجية والتقدم الشامل بدلا من السماح له بأن يصبح أداة للرقابة والصراع في عالم من الاضطرابات الجيوسياسية.
وتطلب التغلب على هذا التحدي استثمارات مستدامة ضخمة في رأس المال البشري والبحث والتطوير. ولضمان الحصول على حصة أكبر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة العالمية البالغة 877 مليار دولار، يتعين على الاقتصادات النامية تهيئة بيئة مستقرة وجاذبة — مع ضمان أن يؤدي التقدم التكنولوجي الناتج عن ذلك إلى دفع عجلة الإنتاجية، والحفاظ في الوقت نفسه على الاستدامة الاقتصادية الكلية والعدالة الاجتماعية.
مسار المستقبل
إن هذه التحديات — والفرص — المتداخلة تساهم بدور محوري في تشكيل مستقبل القوى الوسطى في العالم، وكذلك مستقبل الهند. ومن ثمّ، يجب أن يرتكز المسار القادم على أسس اقتصادية سليمة ورؤية استراتيجية واضحة. ومن الضروري تأمين الاستقرار السياسي والتغيير المنظم. ومن هنا تأتي الأهمية الحيوية لدور الهند في إعادة تحديد ملامح النظام متعدد الأطراف. فقد تراجع النموذج التقليدي القائم على المؤسسات العالمية الكبرى لصالح تحالفات أصغر تدفع بالعمل المشترك نحو قضايا محددة. ولحسن الحظ، تتمتع الهند بوضع مواتٍ يؤهلها للتحرك عبر هذه المستويات وداخلها، وهو ما حققته بالفعل، بما في ذلك مؤخرا أثناء رئاستها لمجموعة العشرين.
إن تجربة الهند بوصفها ديمقراطية كبيرة ومتنوعة تمنحها ثقلا بين الاقتصادات النامية، وحجمها الاقتصادي يمنحها نفوذا، وتقاليدها الدبلوماسية تركز على الحوار وتوافق الآراء، كما أن استمرار استقرارها السياسي يبشر بآفاق واعدة.
ويمكن لهذه الخصائص أن تساعد في بناء الجسور بين التكتلات المتشرذمة، وتحويل التركيز من المواجهة إلى التعاون الواعي بين القوى الوسطى وتأكيد صحة مبادئ عدم الانحياز القديمة. ويمكن للقوى الصغرى والوسطى أن تؤدي دورا حاسما في دفع هذه العملية قدما.
ومن غير المرجح أن يعود العالم إلى التماسك الذي اتسم به في الماضي. فالتشرذم سوف يستمر، ولكن ليس هناك ما يدعو لاقترانه بالفوضى. وفي هذا المشهد الذي تتبلور ملامحه، تتمتع البلدان متوسطة الدخل الرئيسية بوضع يسمح لها بأداء دور بنّاء وفعال سواء على الصعيدين الثنائي ومتعدد الأطراف أو من خلال المبادرات الفردية.
إن اختيارات الهند اليوم لن ترسم مسارها الخاص فحسب، بل ستحدد أيضا ملامح القوى الوسطى ضمن النظام العالمي الناشئ. ففي عالمٍ تتشابك فيه الاعتبارات الاقتصادية مع الجيوسياسية، ستؤدي قدرة الهند على خوض هذه التعقيدات بمنظور اشتمالي إلى إعادة تعريف الأهمية المستمرة للجنوب العالمي. وهذه فرصة ليس للتكيف مع التغيير فحسب، بل هي فرصة أيضا لتشكيل عالم يحفظ لجميع البلدان مقعدا على الطاولة.